محمد بن جرير الطبري
278
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
قال : عظم والله في الوزر كما تسمعون ، ورغب والله في الاجر كما تسمعون إذا ظننت يا ابن آدم أنك لو قتلت الناس جميعا فإن لك من عملك ما تفوز به من النار ، كذبتك والله نفسك ، وكذبك الشيطان . حدثنا هناد ، قال : ثنا ابن فضيل ، عن عاصم ، عن الحسن في قوله : فكأنما قتل الناس جميعا قال : وزرا ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا . قال : أجرا . وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال : تأويل ذلك أنه من قتل نفسا مؤمنة بغير نفس قتلتها فاستحقت القود بها والقتل قصاصا ، أو بغير فساد في الأرض ، بحرب الله ورسوله وحرب المؤمنين فيها ، فكأنما قتل الناس جميعا فيما استوجب من عظيم العقوبة من الله جل ثناؤه ، كما أوعده ذلك من فعله ربه بقوله : ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما . وأما قوله : ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا فأولى التأويلات به قول من قال : من حرم قتل من حرم الله عز ذكره قتله على نفسه ، فلم يتقدم على قتله ، فقد حيي الناس منه بسلامتهم منه ، وذلك إحياؤه إياها . وذلك نظير خبر الله عز ذكره عمن حاج إبراهيم في ربه ، إذ قال له إبراهيم : ربي الذين يحيى ويميت قال أنا أحيى وأميت . فكان معنى الكافر في قيله : أنا أحيى وأميت : أنا أترك من قدرت على قتله وفي قوله : وأميت : قتله من قتله . فكذلك معن الاحياء في قوله : ومن أحياها : من سلم الناس من قتله إياهم ، إلا فيما أذن الله في قتله منهم فكأنما أحيى الناس جميعا . وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بتأويل الآية ، لأنه لا نفس يقوم قتلها في عاجل الضر مقام قتل جميع النفوس ، ولا إحياؤها مقام إحياء جميع النفوس في عاجل النفع ، فكان معلوما بذلك أن معنى الاحياء : سلامة جميع النفوس منه ، لأنه من لم يتقدم على نفس واحدة ، فقد سلم منه جميع النفوس ، وأن الواحدة منها التي يقوم قتلها مقام جميعها إنما هو في الوزر ، لأنه لا نفس من نفوس بني آدم يقوم فقدها مقام فقد جميعها وإن كان فقد بعضها أعم ضررا من فقد بعض .